السيد محمد تقي المدرسي
150
من هدى القرآن
ومنها : أن اعتداءهم ليس عرضا بل هو من طبيعتهم ومتجذر في نفوسهم التي جُبلت عليه ، فما هو إلا مظهر يعكس ما انطوت عليه أنفسهم من الإثم العريض . ومنها : أنهم حين يعتدون يوغلون في الاعتداء بالمبالغة في آثامه . وإنه لثابت علميًّا وعمليًّا أن المعتدي لا يعتدي في الواقع الخارجي ويتجاوز الحدود حتى يكون قد تجاوز الحدود في داخل نفسه ، وأسقط اعتبار الحق والآخرين قبل ذلك في نفسه وتفكيره . فلاعتداء هؤلاء فلسفة تتأسس عليها حياتهم حيث إنهم لا يعترفون بوجود حق يجب الالتزام به واحترامه ، ولا بوجود حدود وقوانين تفصل بين الناس . 4 - وكما تتداعى صفات الخير في الصالحين تتداعى صفات الشر في المفسدين ، فهم يبدؤون من الحلف ولكنهم لا ينتهون عند الاعتداء والإثم بل يتسافلون بعد ذلك إلى صفات سيئة أخرى . « عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ » فما العتل ؟ وما الزنيم ؟ . ألف : العُتُل ، قالوا : إنه شخص عظيم الجثة ، قبيح المنظر ، ناقص الخلقة . ولعل ما ذهب إليه المفسرون كان بسببين : الأول : بالنظر إلى تأويل الآية في ( الوليد بن المغيرة ) واتخاذه مقياسا لصفاته المعنوية والمادية السيئة . الثاني : استلهامهم هذا المعنى من الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله لما سئل عن العتل الزنيم : هُوَ الشَّدِيْدُ الخُلُق ، الشَّحِيْحُ ، الأَكُولُ الشَّرُوبِ ، الوَاجِدُ ( شديد الحب ) لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، الظَّلُومِ لِلنَّاسِ ، الرَّحِيْبِ الجَوْفِ ] . بيد أن هذه الصفات - حسب ما يبدو - ليست مقصودة بذاتها ، بل هي في حقيقتها كنايات عن صفات معنوية أو مقارنات معها تتصل بأخلاق الإنسان ، والشاهد على ذلك ما جاء في اللغة من جذر هذه الكلمة حيث نقرأ في اللغة : عتله : جذبه وجره ، يقال : عتله إلى السجن أي دفعه بعنف « 1 » ، وقال الله يأمر خزنة النار بعذاب الأثيم : « خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ » [ الدخان : 47 ] أي القوه بدفع وعنف ، والعتل في اللغة : الجافي الغليظ ، وفي بعض الروايات قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كُلُّ رَحِيْبِ الجَوْفِ ، سَيِّئ الخُلُقِ ، أَكُولٌ ، شَرُوبٌ ، غَشٌومٌ ، ظَلُومٌ ] « 2 » . وعن ابن مسكان عن
--> ( 1 ) تفسير نور الثقلين : ج 5 ، ص 394 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 423 .